أبي منصور الماتريدي

511

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فهو - والله أعلم - أنهم أخذوا هذه المحاجة من أوائلهم ، وإن علموا بما ظهرت نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه مبعوث ، وأنتم تقلدونهم ، فتقلدونهم - لو أوتيتم - كما قلدتموهم ، وإن علمتم بما عاينتم ؛ إذ لا حجة لكم . والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 92 إلى 96 ] وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 92 ) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 93 ) قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 ) وقوله : وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ . والبينات : ما ذكرنا - فيما تقدم - من الآيات المعجزة ، والحجج العجيبة ، والبراهين الظاهرة على رسالته ونبوته ، وصدق ما يدعوهم إليه ، مما يدل كله أنه من عند الله . ثم - مع ما جاءهم موسى بها - عبدوا العجل واتخذوه إلها ، وكفروا بالله . يعزّى نبيه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لئلا يظن أنه أول مكذّب من الرسل ، ولا أول من كفر به ؛ حتى لا يضيق صدره بما يقولون ، ويستقبلونه بما يكره ، وبالله التوفيق . كقوله : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ [ هود : 120 ] . وقوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ . قد ذكرنا هذا فيما تقدم ما فيه مقنع ، إن شاء الله تعالى . وقوله : وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا . يحتمل وجهين : يحتمل : اسمعوا ، أي : أجيبوا . ويحتمل : اسمعوا : أطيعوا ، لكن هذا فيما بين الخلق جائز السمع والطاعة . وأما إضافة الطاعة إلى الله - عزّ وجل - فإنه غير جائز ؛ إذ لا يجوز أن يقال : أطاع الله . وأما السمع فإنه يجوز ؛ لقوله : « سمع الله لمن حمده » « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2 / 283 ) ، كتاب الأذان ، باب فضل « اللهم ربنا لك الحمد » ( 796 ) ، وطرفه في ( 3228 ) ، ومسلم ( 1 / 306 ) ، كتاب الصلاة ، باب التسميع والتأمين ( 71 / 409 ) ، عن أبي هريرة .